فخر الدين الرازي

10

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

الليل يغشى الناس بظلمته فيغطيهم جعل لباسا لهم ، وهذا السبت سمي الليل لباسا على وجه المجاز ، والمراد كون الليل ساترا لهم . وأما وجه النعمة في ذلك ، فهو أن ظلمة الليل تستر الإنسان عن العيون إذا أراد هربا من عدو ، أو بياتا له ، أو إخفاء ما لا يحب الإنسان اطلاع غيره عليه ، قال المتنبي : وكم لظلام الليل عندي من يد * تخبر أن المانوية تكذب وأيضا فكما أن الإنسان بسبب اللباس يزداد جماله وتتكامل قوته ويندفع عنه أذى الحر والبرد ، فكذا لباس الليل بسبب ما يحصل فيه من النوم يزيد في جمال الإنسان ، وفي طراوة أعضائه وفي تكامل قواه الحسية والحركية ، ويندفع عنه أذى التعب الجسماني ، وأذى الأفكار الموحشة النفسانية ، فإن المريض إذا نام بالليل وجد الخفة العظيمة . وسادسها : قوله تعالى : [ سورة النبأ ( 78 ) : آية 11 ] وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً ( 11 ) في المعاش وجهان أنه مصدر يقال : عاش يعيش عيشا ومعاشا ومعيشة وعيشة ، وعلى هذا التقدير فلا بد فيه من إضمار ، والمعنى وجعلنا النهار وقت معاش والثاني : أن يكون معاشا مفعلا وظرفا للتعيش ، وعلى هذا لا حاجة إلى الإضمار ، ومعنى كون النهار معاشا أن الخلق إنما يمكنهم التقلب في حوائجهم ومكاسبهم في النهار لا في الليل . وسابعها : قوله تعالى : [ سورة النبأ ( 78 ) : آية 12 ] وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً ( 12 ) أي سبع سماوات شدادا جمع شديدة / يعني محكمة قوية الخلق لا يؤثر فيها مرور الزمان ، لا فطور فيها ولا فروج ، ونظيره وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً [ الأنبياء : 32 ] فإن قيل لفظ البناء يستعمل في أسافل البيت والسقف في أعلاه فكيف قال : وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً ؟ قلنا البناء يكون أبعد من الآفة والانحلال من السقف ، فذكر قوله : وَبَنَيْنا إشارة إلى أنه وإن كان سقفا لكنه في البعد عن الانحلال كالبناء ، فالغرض من اختيار هذا اللفظ هذه الدقيقة . وثامنها : قوله تعالى : [ سورة النبأ ( 78 ) : آية 13 ] وَجَعَلْنا سِراجاً وَهَّاجاً ( 13 ) كلام أهل اللغة مضطرب في تفسير الوهاج ، فمنهم من قال الوهج مجمع النور والحرارة ، فبين اللّه تعالى أن الشمس بالغة إلى أقصى الغايات في هذين الوصفين ، وهو المراد بكونها وهاجا ، وروى الكلبي عن ابن عباس أن الوهاج مبالغة في النور فقط ، يقال للجوهر إذا تلألأ توهج ، وهذا يدل على أن الوهاج يفيد الكمال في النور ، ومنه قول الشاعر يصف النور : نوارها متباهج يتوهج وفي كتاب الخليل : الوهج ، حر النار والشمس ، وهذا يقتضي أن الوهاج هو البالغ في الحر واعلم أن أي هذه الوجود إذا ثبت فالمقصود حاصل . تاسعها : قوله : [ سورة النبأ ( 78 ) : آية 14 ] وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً ( 14 )